ابن كثير
198
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
رواية النسائي عن أنس رضي اللّه عنه ، والبيهقي عن شداد بن أوس رضي اللّه عنه أن ذلك ببيت لحم ، فاللّه أعلم ، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض ، ولا تشك فيه النصارى أنه ببيت لحم ، وقد تلقاه الناس ، وقد ورد به الحديث إن صح . وقوله تعالى إخبارا عنها : قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة ، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد ، ولا يصدقونها في خبرها ، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية ، فقالت : يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا أي قبل هذا الحال ، وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا أي لم أخلق ولم أك شيئا ، قاله ابن عباس . وقال السدي : قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس : يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل ، وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا نسي فترك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر ، وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي . وقال قتادة : وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا أي شيئا لا يعرف ولا يذكر ولا يدري من أنا . وقال الربيع بن أنس : وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا هو السقط . وقال ابن زيد : لم أكن شيئا قط ، وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله : تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ يوسف : 101 ] . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 24 إلى 26 ] فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( 24 ) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) قرأ بعضهم : من تحتها بمعنى الذي تحتها ، وقرأ الآخرون : مِنْ تَحْتِها على أنه حرف جر ، واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو ؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس فَناداها مِنْ تَحْتِها جبريل ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها ، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وعمرو بن ميمون والسدي وقتادة : إنه الملك جبرائيل عليه الصلاة والسلام ، أي ناداها من أسفل الوادي . وقال مجاهد : فَناداها مِنْ تَحْتِها قال : عيسى ابن مريم ، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : قال الحسن : هو ابنها ، وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير أنه ابنها ، قال : أو لم تسمع اللّه يقول : فَأَشارَتْ إِلَيْهِ [ مريم 29 ] واختاره ابن زيد وابن جرير « 1 » في تفسيره . وقوله : أَلَّا تَحْزَنِي أي ناداها قائلا لا تحزني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال : الجدول ، وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : السري النهر ، وبه قال عمرو بن ميمون
--> ( 1 ) تفسير الطبري 8 / 327 .